جلال الدين السيوطي

42

الإتقان في علوم القرآن

اللفظ في غير موضوعه ، والحذف ليس كذلك . وقال ابن عطيّة : حذف المضاف هو عين المجاز ومعظمه ، وليس كلّ حذف مجازا . وقال القرافيّ : الحذف أربعة أقسام : قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد ، نحو : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي : أهلها ؛ إذ لا يصحّ إسناد السؤال إليها . وقسم يصحّ بدونه ، لكن يتوقّف عليه شرعا ، كقوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] أي : فأفطر فعدّة . وقسم يتوقّف عليه عادة لا شرعا ، نحو : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 63 ] أي : فضربه . وقسم يدلّ عليه دليل غير شرعيّ ولا هو عادة ، نحو : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [ طه : 96 ] دلّ الدليل على أنّه إنّما قبض من أثر حافر فرس الرسول . وليس في هذه الأقسام مجاز إلّا الأول . وقال الزّنجانيّ في « المعيار » : إنّما يكون مجازا إذا تغيّر حكم ؛ فأما إذا لم يتغيّر - كحذف خبر المبتدأ المعطوف على جملة - فليس مجازا ، إذ لم يتغيّر حكم ما بقي من الكلام . وقال القزوينيّ في « الإيضاح » : متى تغيّر إعراب الكلمة بحذف أو زيادة فهي مجاز ، نحو : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 110 ] فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغيّر الإعراب ، نحو : أَوْ كَصَيِّبٍ [ البقرة : 19 ] . فَبِما رَحْمَةٍ [ آل عمران : 159 ] فلا توصف الكلمة بالمجاز . الثاني : التأكيد « 1 » ؛ زعم قوم أنه مجاز ، لأنّه لا يفيد إلّا ما أفاده الأوّل ، والصّحيح أنه حقيقة . قال الطّرطوشيّ في « العمدة » : ومن سمّاه مجازا قلنا له : إذا كان التأكيد بلفظ الأول نحو : ( عجّل عجّل ) ونحوه ، فإن جاز أن يكون الثاني مجازا جاز في الأوّل ؛ لأنّهما في لفظ واحد . وإذا بطل حمل الأول على المجاز بطل حمل الثاني عليه ، لأنه مثل الأول .

--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 384 .